فخر الدين الرازي
128
شرح عيون الحكمة
لكانت نسبته إلى جميع الأجسام على السوية ، وكان اختصاص بعض الأجسام بصفة ، واختصاص جسم آخر بضد تلك الصفة : رجحانا لأحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح . وهذا محال . لا يقال : اختلاف هذه الأجسام في هذه الصفات معلل باختلافها في القوى والطبائع . لأنا نقول : المذكور في اختلاف الصفات عائد في اختلاف القوى والطبائع ، فيلزم تعليلها بقوى وطبائع أخرى . ويلزم التسلسل . الثالث : هو أن تشريح بدن الانسان دال على أن خالق هذا البدن في غاية الرحمة والاحسان والحكمة . وأنه تعالى فاعل مختار . وانه لو كان موجبا ، لكانت نسبة تأثيره إلى المادة التي منها يتولد القلب كنسبة تأثيره إلى المادة التي منها يتولد سائر الأعضاء ، وحينئذ يجب أن لا يحصل هذه الحكمة المختلفة والمنافع المتباينة . وإذا ثبت أنه سبحانه فاعل مختار ، وجب أن يكون عالما بالأشياء . لأن الفاعل المختار هو الذي يقصد إلى ايجاد الأشياء ، والقاصد إلى ايجاد الأشياء لا بد وأن يكون متصورا للماهيات ، يستحيل منه القصد إلى ايجادها . وإذا حضر عنده تصور الماهيات ، وجب أن يحضر عنده التصديق بها تصديقا . لأن تلك الماهيات اما أن تكون من حيث هي هي واجبة الانتساب إلى الأخرى بالثبوت أو الانتفاء والجواز . فان كانت واجبة الانتساب إلى الأخرى بالثبوت . فتلك الماهية لما هي هي ، موجبة لذلك الانتساب بواسطة « 12 » أو بلا واسطة . وعلى التقديرين فالعالم بتلك الماهية عالم بما يوجبه ذلك الانتساب والعالم بالموجب عالم بالأثر ، فالعلم بتلك الماهية يوجب العلم بذلك التصديق ايجابا كان أو سلبا . وأما ان كان انتساب بعض تلك الماهية إلى غيرها بالجواز . كان ذلك الجواز أيضا من لوازم تلك الماهيات ، وحينئذ يعود الكلام المذكور من أن العالم بتلك الماهية عالم بذلك الجواز . فثبت : أنه سبحانه فاعل مختار و ( إذا ) ثبت أن الفاعل المختار عالم بالتصورات ، وثبت : أن العالم بالتصورات عالم بالتصديقات . سبحانه عالم بالكل .
--> ( 12 ) أو بواسطة : ص .